عن "الغداء الاخير"
الساعة 11:07 مساءً
مصطفى ناجي الجبزي مصطفى ناجي الجبزي

مثل اغتيال الرئيس ابراهيم الحمدي اغتيالا باكرا للحلم اليمني وتلت اعوام كابوسية على اليمنيين فقدوا معها الحلم والطاقة والثقة. بينما من يطّلع على اي ادبيات تتناول الاغتيالات السياسية في القرن العشرين يكاد لا يجد شيئا عن الحمدي وفِي احسن الاحوال سيجد سطرا او سطرين يذكران ان اغتيال الحمدي كان في ١١ اكتوبر ٧٧ تلاه حكم قصير للغشمي الذي اغتيل هو الاخر بعد شهور.

بمعنى ان الحدث مر مرورا عابرا في الذاكرة السياسية الدولية رغم أهميته في وجدان وتاريخ اليمنيين.

ومع وجود صالح في سدة الحكم عقودا ثلاثة طويت حادثة الاغتيال ولم يتم اي تحقيق وبقي هامش كبير لسردية شعبية ترتكز على العواطف وتغص بالوقائع الى حد لا يمكن فصلهما في ظل محاولات رسمية لمحو اية ذكرى للحمدي. أشار غمدان اليوسفي الى انه مع بداية التسعينيات فقط بدأت تظهر صور الحمدي ومع ثورة الشباب اليمني ظهرت فيديوهات للحمدي.

كانت مغامرة كبيرة لـ جمال المليكي ان يتطرق لهذه القصة ولشخصية صارت أسطورة اليمنيين. بينما جعل منها الحزب الناصري سردية تنظيمية (ملزمة) وتوزعت التهم على الجميع في حين انه لم يقدم تحقيقا او وثائقا طيلة الفترة.

حب اليمنيين للحمدي جعلهم يتداولون تفاصيل دقيقة للاغتيال وليس من جديد ينتظره الناس سوى نتيجة تحقيق قضائي وهذا ليس بمقدور الفيلم ولكنه معني بتوثيق متلفز لحادثة مزود بوثائق وشهادات دوائر سياسية محلية على صلة بالأمر كمتضرر او طرف ( وهذه هي ظروف الفلم ومعيار موضوعي لتقييمه) ووثائق استخباراتيه ودبلوماسيه وهذا جهد الفيلم والجديد فيه في حدود معينة الى حد يقول الفيلم انه وصل الى باب مسدود لاسباب لا علاقة لها بالكسل المعرفي او عدم الدراية ولكن لمصالح دول كبرى.

انطلق الفيلم بطريقة منهجية كتابة المقالات العلمية. تحديد فرضية والاشتغال عليها نفيا او إثباتاً. 
يوضح الفيلم السياق السياسي المحلي والإقليمي الذي يمكن من خلاله قراءة حادثة الاغتيال باعتبارها اغتيالا سياسيا وليس شجارا عائليا او قضية جنائية صرفة. 
يفترض الفيلم على لسان متحدثيه انه لولا الاطراف المحلية لما تمكنت القوى الخارجية من تنفيذ الاغتيال. ويفترض ايضا ان تيارا رابعا، الى جانب السياسين والقبائل والعسكر الموالين للحمدي نما داخل القيادة وهو تيار عسكري يتمثل بالغشمي وصالح واخرين. ذهب هذا التيار الرابع الى حياكة المؤامرة وتنفيذها وجنى ثمارها. 
هذه النقطة تحديدا هي النواة المتماسكة والموضوعية التي يرتكز عليها الفيلم. 
يذكر جار الله عمر في مذكراته ان الحمدي كان يلتقي في البداية باليساريين والقوميين خفية من محمد خميس. اي ان رئيس الدولة كان يخشى النظام الأمني وليس رجال القبائل.

من الملحوظ ان هناك استياء لعدد كبير من متابعي الفيلم ( استياء إنشائي تغلبه الشتائم والتخوين) من طرف انصار صالح، وهولاء من الطبيعي ان تستثيرهم سردية اتهام صالح. لان الاخير رمى بالتهمة الى السعودية في مقابلة سابقة. وعمليا يجمع اليمنيون على اتهام السعودية وضلوع ملحقها العسكري ولا جديد في الفيلم سوى استغلال قناة الجزيرة لهذه الجزئية في اطار صراعها مع جيرانها لتكون حكاية جديدة بعد حكاية خاشوقجي.

تغص ذاكرة اليمنيين بحكايات الاغتيال ومشهده وهي حكايات لم ترد على لسان اي شاهد ولكنها من غنى الخيال وربما كان بوسع الفيلم الوصول الى التقرير الجنائي بعد مقتل الحمدي والذي ترد فيه أماكن الأصابات ونوعية السلاح وهذه ابرز نقاط ضعف الفيلم برأي في هذه الجزئية.

ترك الفيلم نهاية مفتوحة ولم يقدم حقيقة مطلقة وهذا افضل ما فيه لانه عمل على اثارة القضية على مستوى اكبر ؛ نشر القضية في فضاء عربي واسع وعلى البقية إكمال المجهود. الجزيرة ليست قناة يمنية، انها تخاطب جمهورا يتحدث بالعربية في ارجاء العالم وهي تابعه لدولة لها سياسة معينة وهذه النقطة احد اكراهات عمل الفيلم الوثائقي.

لو كنت مكان جمال -كيمني -وشرعت في انتاج أفلام وثائقية فلن أتردد لحظة واحدة في اخراج فيلم عن مقتل الحمدي لاني سأكون الاول ولي السبق ويمكن ان احصل على منبر لا مثيل له.

ملحوظ ان الانتقادات جاءت لان الفيلم لم يقدم حكاية تتطابق مع أهواء الكثيرين ولم تنل من خصوم الطرف الفلاني او غيره او انها اقل مما هو متواتر في اذهان الناس. وعمليا لا يمكن تقديم وثائقي دون دليل ملموس او شهادة حية وربما يكون القائم على الفيلم قد حصل على شهادة كهذه ولم يقدمها وستظهر فيما لو تحدث البعض للفيلم وحجبت شهاداتهم. وستكون هذه نقطة موضوعية لانتقاد الفيلم.

عجز الفيلم عن استكمال قراءة خارطة القوى العسكرية والقبلية والسياسية وترابط القتلة بهذه التيارات. وهذا عمليا موضوع يستحق بحثا جادا. لكنه ذهب الى تاكيد هيمنة العسكر على المشهد اليمني حينها وهدم شماعة القبلية التي استندت اليها النخب في تناول فشل اليمن او في عجزها عن التحديث.

يصل الفيلم الى طريق مسدود ليقول لليمنيين توقفوا عن أسطرة المشهد دون أساس غير العاطفة وانه ما تزال هناك نقاط مجهولة في حكاية اغتيال الحمدي قد لا تاتي الْيَوْم او قد تاتي في اطار العدالة الانتقالية. 
كما اني الوم الفيلم على عدم بحثه في الارشيف الروسي الذي كان قريبا من احداث المنطقة وله حضور كبير في الجنوب وكانت إجراءات الوحدة تقلب الخارطة السياسية الدولية المرسومة بعناية بين السوفييت والأمريكان.

جاء في الفيلم إشارة الى شخصيتين قد تكونان هامشيتين هما العماد والشامي لكن اللحظة الراهنة والصراع مع الحوثيين والعائلات اليمنية المرتبطة بهم سلطويا على أساس سلالي تدفع الى قراءة المشهد اليمني تاريخيا من بوابة التيار السياسي الإمامي داخل الجمهورية.

نقطة اخيرة، أتى الفيلم برموز وحدوية خالصة (سالمين والحمدي) في لحظة اسهل ما فيها النيل من الوحدة اليمنية.

هناك الكثير والكثير ليقال في الفيلم ايجابا وسلبا لكن التفاعل الآني غير الناضج لا يساعد على القراءة الصحيحة في ظل هيمنة سلوك انفعالي طاغ وغير موضوعي في احيان كثيرة. 
لم اجد مخرج أفلام وثائقية يمني او حتى عربي تناول الفيلم او الأفلام السابقة وقدم رأيا فنيا حول الفيلم قد يساعد على التقييم.

الفيلم ككتاب وحدت فيع فكرة ما ولبلوغ الحقيقة علي ان ابحث عن كتب/أفلام اخرى لتكتمل الصورة وعلى الاخرين تقديم قراءتهم للاغتيال من زاوية تورط القبيلة او الاخوان او البعثيين حتى تتضح الصورة. 
بانتظار ان تنضج الافكار والآراء حول الفيلم وسأعود الى الكتابة مجدداً.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص