عن فيلم الغداء الاخير
الساعة 09:57 مساءً
بشير زندال بشير زندال

 

الحب الكبير للزعيم الخالد ابراهيم الحمدي رفع سقف رغبة المشاهدين لفيلم الغداء الأخير. انتظر المشاهدون فيلما يصور القتلة وهم يقومون بقتل إبراهيم الحمدي. وكل مشاهد إنطلق من موقعه السياسي، البعض أراد فيلما يجعل القتلة هم السعودية والشيخ عبد الله بن حسين فقط، والبعض أراد فيلما يجعل القتلة هم صالح والشيخ عبد الله فقط ، والبعض أراد فيلما يجعل القتلة هم السعودية وصالح فقط.

المهم أن أغلب المشاهدين انطلقوا من عاطفتهم الشديدة للشهيد الحمدي وتعاطفهم مع أحد الأطراف فيريدون فيلما يحمل الجريمة للأطراف الأخرى ويستثنوا الطرف المقرب إليهم

لم يتساءل الجمهور عن دور سنان أبو لحوم رغم أنه ربما بارك اغتيال الحمدي اكثر من الاحمر. ولم يتساءل الجمهور عن دور عبدالله عبد العالم .. صديق الحمدي الذي كان موجودا في صنعاء ولم يتم اغتياله أو اخفاءه كما حصل مع اصدقاء الحمدي علي قناف زهرة أو عبدالله الشمسي، ولا على الشخصيات العسكرية التي كانت موجودة في منزل الغشمي كمحسن اليوسفي أو غيره. 

كان غضب اغلب الجمهور كالتالي:

 محب لصالح وغاضب لماذا تم تناول وجوده في منزل الغشمي ومشاركته في الاغتيال.

أو كاره للشيخ الاحمر وغاضب لماذا لم يتم ذكره كأحد منفذي أو مخططي الاغتيال

وبالنسبة لمشاركة الشيخ عبد الله في اغتيال الحمدي (وهي القضية الأكثر تناولا في الفيس بوك) فالكل يعرف أن مشروع الأحمر كان يتعارض مع مشروع الدولة المدنية أو مع مشروع الحمدي (وهو ما تم ذكره في بداية الفيلم) ولكن في مسألة اغتيال الحمدي فكل المذكرات السياسية تشهد أنه كان في خمر وأنه لم يتواجد في صنعاء لا للتنفيذ ولا للتخطيط. ربما كان على علم بالحادثة وانتظر وقوعها وباركها بالتأكيد ولكن لا يوجد ما يثبت ذلك لا في المذكرات السياسية ولا في شهادات الضيوف. كما أن كل المذكرات السياسية تشهد بأن الأحمر وجه رسالة إلى الغشمي بعد الاغتيال بأنه عيب أن تقتلوا الرجل ثم تلصقوا به تهمة القرنسيتين.. "قولوا أنقلبنا وخلاص". طبعا كما اسلفت الأحمر كان هو والجناح القبلي أكثر الناس سعادة بزوال دولة الحمدي المدنية ولكن هذا لا يؤكد تأمره.

 بل أن العزيز جمال المليكي مخرج الفيلم همس في أذني أن أحد الضيوف الناصريين الذي ظهروا في الفيلم برأ الشيخ عبدالله من اغتيال الحمدي تماماً. المهم أن كراهية الأحمر (أو سنان أبو لحوم أو مجاهد ابو شوارب أو الجناح القبلي بشكل عام) للحمدي وإن كانت واضحة، إلا أنه من المستحيل على مخرج الفيلم أن يجعل من كراهية أحد ما سبباً لاتهامه بالتخطيط لاغتيال الحمدي. 

الصديق جمال المليكي اشتغل وفق منهجية وضوابط دقيقة، استند فيها على وثائق من أجهزة مخابرات أو شهادات لمعاصرين، ولا يمكن أن يقوم بتناول عبدالله الأحمر دون وثائق تثبت تورطه، أما وجود وثيقة تثبت أنهما كانا على خلاف فالحمدي كان على خلاف مثلا مع محسن العيني، أو احمد جابر العفيف أو غيرهم من الجناح المدني المتنور في الدولة.

كما أن هناك إشكالية جعلت الجمهور لا يقتنع بما شاهدوه، وهي أن كل جزئية في الفيلم تحتاج عمليا إلى فيلم مستقل لوحده.

كاريزما الحمدي وبقاءه في وجدان الشعب، رغم مرور 42 سنة على اغتياله بحاجة فعلا إلى فيلم خاص

ومشروع الحمدي في بناء الدولة والخطة الخمسية وتنفيذها، فيلم خاص

صراع الحمدي مع مشروع عبد الله بن حسين الأحمر وسنان ابو لحوم .. مشروع الدولة المدنية أمام مشروع القبيلة بحاجة إلى فيلم خاص

قضية الفرنسيتين وان إحداهما كانت عملية مخابرات فرنسية جزئية خطيرة جدا، يعني مش "عاهرة" جاية تقضي لها كام يوم وترجع .. جزئية خطيرة وبحاجة إلى فيلم كامل 

موضوع الإغتيال، التخطيط والتنفيذ، والشخصيات التي اختفت معه مثل قناف زهرة والشمسي واغتيال الغشمي بعده.. بحاجة لوحده إلى سلسلة أفلام. 

50 دقيقة كان من المستحيل أن تكفي لموضوع كبير جدا كموضوع الحمدي. وتم التصوير مع شخصيات كثيرة رائعة جداً ولكن للأسف لم يكفِ الوقت لعرض كل هذه الشخصيات وعرض كل ما قيل. 

طبعا هناك من كتب في الفيس بوك بأن الفيلم لم يأتِ بجديد. للأسف لا يعلم الكثير أن الافلام الاستقصائية قد لا تأتي بمعلومات جديدة ولكنها تكتفي باثبات حقائق يعرفها العالم بأكمله. 

أشهر فيلم استقصائي في القرن الواحد والعشرين هو فيلم (الطريق إلى سبتمبر) ليسري فوده، هذا الفيلم أثبت أن اسامة بن لادن وتنظيم القاعدة هم من خطط ونفذ عملية 11 سبتمبر، وطبعا كان القاعدة أصلا قد تبنت هذه العملية فور وقوعها، والعالم بأكمله كان يعرف أن القاعدة هي من نفذت. إذا عملياً لم يأتِ يسري فوده بجديد. لكن الفيلم فور صدوره هز العالم بأسره. لأنه اثبت (حقيقة يعرفها العالم مسبقاً) باللقاءات والوثائق الحصرية أنهم هم من نفذوا العملية. 

طبعا عندما صدر فيلم الطريق إلى سبتمبر هاجم الكثيرون يسري فوده، لأن أغلب الشارع العربي كان يؤمن بنظرية المؤامرة وكان ينتظر أن يقول يسري فوده أن اسرائيل هي من نفذت العملية أو ان امريكا نفسها هي من نفذتها حتى تنتقم من المسلمين. 

هوجم يسري فوده كثيرا بل أن البعض افتى بقتله لأنه يعمل مع المخابرات الامريكية لتشويه المسلمين. 

تشرفت بأن كنت ضمن فريق الفيلم، وأنا أفخر بالعمل مع جمال ومع فريق رائع كالفريق الذي اجتمع مع جمال. وأعرف جيداً المجهود الذي بذله جمال والفريق بأكمله لإخراج الفيلم بصورة موضوعية قدر المستطاع والبحث عن السردية الأقرب إلى الحقيقة (لأن الحقيقة الكاملة يستحيل وصولها كما حدثت) قدر المستطاع. كما أتمنى الحصول على الفيلم الذي يصور الحادثة والتي أكد البعض أنه شاهده حتى تتوثق الحقيقة بالصوت والصورة وتصل إلى جيل بأكمله يبحث عن حقيقة ما حصل بالضبط مع زعيم سيضل خالداً في قلوب أجيال عدة.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص